القاضي التنوخي
379
الفرج بعد الشدة
فيه ، حتّى نشأت سحابة ، فأبرقت ، وأرعدت رعدا متّصلا شديدا ، ثمّ جاءت بمطر يسير ، وبرد كثير . فبادرت إلى الغلمان ، فقلت : اجمعوا ، فجمعنا شيئا كثيرا ، وكان علي بن عيسى نائما . فلمّا كان وقت المغرب ، خرج إلى الصلاة ، فقلت له : أنت واللّه مقبل ، والنكبة زائلة ، وهذه علامات الإقبال ، فاشرب الثلج كما طلبت . وجئته إلى المسجد الحرام بأقداح مملوءة بالأشربة « 7 » والأسوقة « 8 » ، مكبوسة بالبرد ، فأقبل يسقي ذلك من كان بقربه من الصوفيّة والمجاورين والضعفاء ، ويستزيد ، ونحن نأتيه بما عندنا من ذلك ، وكلّما قلت له : اشرب ، يقول : حتّى يشرب النّاس . فخبأت من البرد مقدار خمسة أرطال ، وقلت [ 145 ظ ] له : لم يبق شيء . فقال : الحمد للّه ، ليتني كنت تمنّيت المغفرة ، بدلا من تمنّي الثلج ، فلعلّي كنت أجاب .
--> ( 7 ) الأشربة ، مفردها : شراب ، كلّ ما يشرب ، ويسمّى الآن ببغداد : شربت ، ويجمع على شرابت . ( 8 ) الأسوقة ، مفردها سويق ، بفتح السين ، وفي بغداد يلفظ بضمّها وتلفظ القاف كافا فارسية : الناعم من الدقيق ، وكل ما صلح أن يكون دقيقا ، يمكن أن يتّخذ منه السويق ، وأعلى أنواعه سويق اللوز ، ويخلط بالسكر أو العسل ، ويصبّ عليه الماء ، ويضاف إليه الثلج في وقت الصيف ، ويقال أنّ المنصور سمّ وزيره أبا جهم ، في سويق اللّوز ، قال الشاعر : تجنّب سويق اللّوز لا تشربنّه * فشرب سويق اللّوز أردى أبا جهم ويتّخذ في جنوب الجزيرة العربية سويق النبق ، وسويق الشعير معروف في بغداد إلى الآن ، فإنّ أهلها عند احتفالهم بالنيروز ، يصنعون أنواع ، الحلوى والمخلّط ، ومن جملة ذلك سويق الشعير ، مخلوطا بدبس التمر ، وفي القصّة 5 / 79 من كتاب نشوار المحاضرة ذكر القاضي التّنوخي أنّ شخصا أخبره في السنة 360 أنّه كان يصنع في بغداد في كلّ سنة 280 كرّا من سويق الحمّص ويستهلك كلّه في نفس السّنة .